اسد حيدر

24

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة

فالإمام الصّادق يروي عن أبيه الباقر ، عن أبيه زين العابدين ، عن الحسين بن علي ، عن علي بن أبي طالب عليهم السّلام . وهذا الإسناد هو المعروف بالسلسلة الذهبية . وهو أصح الأسانيد وأقواها « 1 » . صمود مذهبه أمام الحكام : ومهما يكن من أمر ، فإن ما يبدو لنا بوضوح : أن ذلك الانفصال وعدم التأثّر بآراء الحكّام هو الذي أوجد تلك المرونة في المذهب الجعفري ، لأنّه يستقي من ينبوع لم يكدر صفوه التعليم الاستعماري بما فرضه على العلم والعلماء ، ولمّا كان غلق باب الاجتهاد هو من مقترحات الدولة وتشريع السياسة ، فلم يلتزم المذهب الجعفري به ، ولم يخضع لذلك النظام الجائر الذي يفضي مؤداه إلى الجمود الفكري وتحجير العقل ، ورد نعمة أنعم اللّه بها على هذه الأمة « 2 » . ومن الواضح أن عدم الالتزام بما تفرضه الدولة ، هو خروج عن الطاعة وعمل يستوجب العقاب والمقاومة . وقد عرف معتنقو مذهب أهل البيت عليهم السّلام بأنّهم لا يرون لزوم طاعة أولئك الحكّام الذين تربعوا على عرش الخلافة بدون حق ، فلم يؤازروهم ، ولم يتعاونوا معهم اقتداء بأئمتهم واتباعا لأوامر الرّسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في مقاطعة الظلمة ، وحرمة المعاونة لهم ، لأن ليس في نظام الملوك الذي أوجده الأمويون والعباسيون قواعد الخلافة ومبادئ الحكم الإسلامي إلّا ما اقتضته مصالحهم الشخصية ، وهو نظام زمني يقوم على المظاهر والأشخاص ، وليس نظاما دينيا يقوم على الإيمان والعقيدة . كانت الطبقة الحاكمة تعد من لا يؤازرها ويتعاون معها خصما يجب القضاء عليه ، لأن عدم التعاون مع الدولة هو عدم الاعتراف بأهليتها للحكم ، وانتقاد لسياستها وسيرة رجالها . لذلك اتجهت قوة الدولة لمعارضة مذهب أهل البيت عليهم السّلام واتهام منتحليه بسوء العقيدة ، والخروج عن الإسلام ، فسلكوا في تحقيق ذلك تلك الطرق الخداعة ،

--> ( 1 ) معرفة علوم الحديث للحاكم النيسابوري ص 55 . ( 2 ) سيأتي الكلام حول الاجتهاد والتقليد ، وقد تقدم في الجزء الأول نقل آراء بعض العلماء ورؤساء المذاهب في لزوم فتح باب الاجتهاد .